الشيخ محمد رشيد رضا

370

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فرض إمكان اجتماعهم وتعاونهم ومظاهرة بعضهم لبعض . فلو كان هو الذي أنشأه وألفه لمصلحة الناس برأيه كما ارتأى بعض المعجبين بعقله وذكائه وعلو أفكاره من الفلاسفة المتقدمين ، وعلماء الماديين المتأخرين - لكان عقله وذكاؤه وعلو فكره مانعات له من هذا الجزم بعجز عقلاء الخلق من العوالم الظاهرة ( الانس ) والخفية ( الجن ) عن الاتيان بسورة مثل ما أتى هو به ، فان كل عاقل متوسط الذكاء والفكر يعلم أن كل ما أمكنه من الامر فهو يمكن غيره ، بل لا يأمن أن يوجد من هو أقدر عليه منه ، فهذه آية بينة للعقل على أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان موقنا بأنه من عند اللّه تعالى وانه هو كغيره لا يقدر على الاتيان بسورة مثله ، وهي احدى حجج الذين قالوا إنه لا يعقل أن يكون كاذبا مفتريا له ( فان قيل ) إنه يمكن أن يعتقد عجز نفسه وغيره في حال كونه وحيا من نفسه ، معتقدا أنه من ربه ( قلنا أولا ) إن دعوى الوحي النفسي باطلة بأدلة كثيرة كما تقدم ( وثانيا ) ان عجز غيره ممن كانوا أفصح منه دليل على عجزه بطريق الأولى ثم إن أكثر المتكلمين ومن على مذاهبهم من المفسرين يعتمدون في إقامة الحجة على نبوته ورسالته صلّى اللّه عليه وسلّم على تحديه للعرب بالقرآن أن يأتوا بمثله إجمالا أو بحديث مثله فبعشر سور مثله مفتريات فبسورة مثله فبسورة من مثل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أي في أميته ، وبما ظهر من عجز العرب وغيرهم عن ذلك ، إذ لو قدر أحد على الاتيان بسورة مثله أو قريب منه لفعلوا لتوفر الدواعي من أعدائه على تكذيب دعواه ولا سيما بعد استفحال قوته ، واضطرارهم إلى بذل أموالهم وأنفسهم في مكافحته ، وبهذا يعلم الفرق الواضح بين تحديه صلّى اللّه عليه وسلّم بالقرآن وتحدي بعض الدجالين المغرورين ببعض ما هذوا به من نثر ونظم وسموه وحيا كالباب والبهاء والقادباني ، فإنه كان سخرية للعلماء والبلغاء ، وقد اخفى البهائيون كتابه ( الاقدس ) عن الناس ثم إن أكثرهم على أن تحدي العرب انما كان بما امتاز به من الفصاحة والبلاغة اللغوية . وقد صنفوا في بيان إعجاز القرآن بها كتبا مستقلة ، ولم يوفوه حقه من ناحيتها ولا سيما نظمه النجيب بله النواحي المعنوية ( وقالوا ) ان وجه الدلالة في ذلك على صدقه صلّى اللّه عليه وسلّم في دعوى النبوة وانه من عند اللّه هو انه يتضمن تصديقه